تمهيد : - تعمل الدول على توفير الخدمة الإسكانية الجيدة لمواطنيها لما يتضمنه الإسكان من أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية بالغة الأثر والأهمية . فالسكن ضرورة وحق مشروع لكل أسرة ، ولا يكتمل الشعور بالمواطنة الحقة إلا بتوافر السكن المريح والآمن الذي يحقق للمواطن ما يرتجيه من أمن واستقرار وطمأنينة له ولعائلته (1) .
- ولأن هناك علاقة تبعية وتأثير تبادل بين الإسكان والسكان فإن القضية الإسكانية تدخل في صميم القضايا الاجتماعية برغم كل مكوناتها وأبعادها الاقتصادية والسياسية والإدارية والفنية والهندسية بل والثقافية في كافة المجتمعات . فالتزايد السكاني بمعدل معين يستلزم زيادة الإسكان بنفس المعدل وإلا تكدست طلبات الحصول على سكن من جانب الأسر الجديدة ، وهنا تبدأ المشكلة الإسكانية في الظهور لتضغط بشدة على كافة الأجهزة المختصة في الحكومة والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية والتعاونية ذات الصلة ، بل ومؤسسات التمويل والبنوك .
* المعايير الدولية للإسكان الصحي : وبالنظر إلى المعايير الواجبة للإسكان الصحي فقد حددتها منظمة الصحة العالمية W.H.O في المجموعات الأربع التالية(2) : أ - الاحتياجات الجسدية : وتتمثل في الاحتفاظ بدرجة حرارة مناسبة ونظافة وإضاءة كافية والوقاية من الضوضاء وتوفير أماكن لعب الأطفال . ب - الاحتياجات النفسية : توفير جو الخصوصية للفرد – توفير حياة سوية للأسرة لأداء واجباتها ووظائفها – الإمكانيات الجمالية للمنزل والحي – الانسجام مع المعايير الاجتماعية السائدة . ج - الوقاية من الأمراض : وتتمثل في توفير تمديدات مياه صحية وحمامات مناسبة والحماية من التلوث والحشرات وتوفر وسائل حفظ الأطعمة من الفساد . د - الوقاية من الحوادث : مراعاة إقامة المسكن بحيث لا يتعرض السكان للحوادث أو الحرائق أو الصدمات الكهربائية أو التسمم بالغاز أو السقوط ووقاية الحي من مخاطر السيارات .
وإذا ما طبقنا المؤشرات السابقة على الواقع سوف نكتشف أن الإسكان مشكلة عالمية تعاني منها كافة الدول المتقدمة منها والنامية على حد سواء ولكن بدرجات متفاوتة .
وإذ لا يستطيع جميع السكان تلبية حاجتهم السكنية بدون مساعدة ودعم الحكومات ، لذا فقد تتحول 'مشكلة السكن' إلى 'أزمة إسكان 'حين تعجز طوابير الانتظار الطويلة عن تحصيل السكن المناسب ، وحين تتكدس الطلبات في مواجهة العرض المحدود للوحدات السكنية المتاحة وتلك التي تحت الإنجاز ... وحين تتراكم أبعاد المشكلة بجانبيها الكمي والنوعي عندئذ فإنها تعكس بوضوح درجة من درجات الفشل الحكومي في التصدي للمشكلة حتى أصبحت 'أزمة' إسكان !
وهنا يُطْرَحْ السؤال الهام التالي : ماذا عن الوضع الإسكاني في دولة الكويت ؟
الوضع الإسكاني الحالي في الكويت (حتى بداية العام 2009) :
تتلخص 'أزمة الإسكان' بالكويت في الملامح الثلاث التالية : (1) فجوة العرض والطلب : في مقابل 174,600 طلب قُدَّمُ إلى المؤسسة العامة للرعاية السكنية(3) للحصول على وحدة سكنية (بيت – قسيمة – شقة) تم تسليم وتنفيذ 91600 وحدة على مدى الفترة من 1974 وحتى نهاية أكتوبر 2008م(4) ، وهكذا يتبقى 83000 أسرة كويتية على قائمة الانتظار ... ويمثل هذا العدد فجوة العرض والطلب على الإسكان في الكويت وبنسبة 47,5% من إجمالي الطلبات ، بمعنى آخر أن الدولة استطاعت تنفيذ ما نسبته 52,5% فقط من إجمالي الطلبات على الإسكان حتى تاريخ كتابة هذه الدراسة . (2) طول فترة الانتظار : والتي تتراوح ما بين 10 -17 سنة . (3) عدم مراعاة كافة الجوانب الكيفية في المسكن (الهندسية والبيئية والاجتماعية) ونقص بعض الخدمات الضرورية (الحدائق والملاعب والجمعيات التعاونية والمراكز الصحية ومراكز الشباب) وفقاً للمعايير الدولية الواجبة للإسكان الصحي. أمثلة : - منطقة علي صباح السالم (أم الهيمان سابقاً حوالي 6000 وحدة سكنية) المساكن فيها قريبة من المنشآت النفطية وغيرها التي تثير الغبار والتلوث - منطقة الظهر تبين أن الأرض في بعضها مبنية على تربة رخوة وحدثت بعض الإنهيارات والفجوات الأرضية . - لقد أصبح وجود مسكن ملائم هاجس حقيقي لكل شاب كويتي لم يحصل على مسكن حكومي .
الآثار السلبية للمشكلة الإسكانية في الكويت :
أسفر طول فترة الانتظار للحصول على السكن عن ظهور مجموعة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وفيما يلي أهم تلك المشكلات :
1 - الوضع النفسي السيئ واليأس الذي يصيب الأسرة من طول فترة الانتظار وبخاصة ذوي الدخل المحدود .
2 - اضطرار الشباب المتزوج إلى السكن مع أسرهم أو أقاربهم مما يشكل عبئاً على تلك الأسر وارتفاع معدلات الازدحام داخل المسكن الواحد وآثاره الصحية والنفسية السيئة .
3 - المعاناة التي يتعرض لها المواطنون الذين يضطرون للإقامة في مسكن بالإيجار ضمن نمط وأسلوب ومستوى اجتماعي لحياة اختلفت عما درجوا عليه في بيئتهم المحلية الأصلية ، ناهيك عن الارتفاع المستمر والحاد في مستويات الإيجار .
4 - زيادة حجم الأسرة للمتقدمين خلال فترة الانتظار (من 2 إلى 7 أفراد أو أكثر) .
5 - تحمل ميزانية الدولة لمبالغ متراكمة مقابل بدل الإيجار كان يمكن توفيرها لو لم تطل فترة الانتظار . إذ بلغت مصروفات بدل الإيجار للسنة المالية 2007-2008 ما يزيد عن 135 مليون دينار لعدد المنتفعين البالغ 77454 أسرة (مع العلم أن عدد المنتفعين ببدل الإيجار للعام المالي 2008-2009 قد بلغ 81487 منتفعاً) . وتشير إحصائية صادرة عن المؤسسة العامة للرعاية السكنية إلى بلوغ إجمالي بدل الإيجار المنصرف منذ العام المالي 1991-1992 إلى العام المالي 2008-2009 إلى ما قيمته 810,412,891 مليون د.ك بمتوسط يزيد قليلاً عن ال45 مليون دينار كل سنة خلال السنوات السبع عشرة الأخيرة (انظر الجدول) .
جدول بمصروفات بدل الإيجار في دولة الكويت للسنوات المالية 1991-1992 إلى 2008-2009 (بالدينار الكويتي)
السنة المالية
المبلغ المصروف
الحالات الجديدة
إجمالي عدد المنتفعين
1991/1992
15,391,118
5024
14251
1992/1993
16,607,674
4670
15721
1993/1994
21,324,807
4897
19631
1994/1995
25,025,329
5212
21548
1995/1996
24,437,732
5575
21215
1996/1997
28,203,918
5803
25452
1997/1998
32,846,592
5167
28785
1998/1999
32,085,080
7976
27044
1999/2000
34,803,740
6584
28920
2000/2001
37,762,202
5.88
32104
2001/2002
39,317,892
6353
34841
2002/2003
38,119,366
8199
33500
2003/2004
42,777,214
6976
38226
2004/2005
47,617,435
8159
41131
2005/2006
44,356,258
12539
37759
2006/2007
108,651,485
36049
70013
2007/2008
135,165,468
11357
77454
2008/2009(*)
95,919,754
6482
81487
الإجمالي الكلي
810,412,890
المصدر : المؤسسة العامة للرعاية السكنية ، الكويت ، يناير 2009م . (*) المبلغ المنصرف عن جزء من السنة المالية 2008-2009(حتى شهر نوفمبر 2008). ملحوظة : بعد تعديل المادة (19) من القانون 47 لسنة 1993 في شأن الرعاية السكنية والصادر بالقانون رقم 26 لسنة 2006 ، زيد مقدار بدل الإيجار من 100 د.ك إلى 150 د.ك ، مع تقرير صرفه لجميع أصحاب الطلبات دون استثناء وبغض النظر عن مقدار الراتب الشهري والذي كان قبل التعديل بحد سقف أعلى 900 د.ك ، وقد ترتب على ذلك التعديل طفرة في المبالغ المنصرفة كبدل إيجاري من 44,3 مليون د.ك للعام 2005-2006 إلى 108,7 مليون في العام التالي 2006-2007 .
6 - وأخيراً يجب الإشارة إلى أن التسليم بأن الحكومة هي التي ستتولى عملية الإسكان قلل من رغبة المواطنين والملاك عموماً في المساهمة بحل المشكلة الإسكانية . ولقد تكفلت الحكومة في الكويت بالتخطيط لتوفير السكن للكويتيين ، ولكن هذا النوع من التخطيط على الرغم من إيجابياته الكثيرة تكمن خطورته في إنه يجعل من المواطن شخصا إتكالياً يعتمد كلياً على الدولة في توفير كل شيء حتى أقصى خصوصيات الإنسان والأسرة كما يعطل جهد المواطن في توفير السكن الملائم له منتظراً ومتأكداً أن الحكومة ستدبر له كل شيء . وهكذا لم تقتصر المسألة على انعدام الدافع لدى هذه الأسرة لحل مشكلاتها الإسكانية بالاعتماد على نفسها ، وإنما غدا نوعاً من تسجيل الأحقية في وحدة سكنية تقدمها له الحكومة(5) .
وهنا لابد من مراجعة أبعاد وكيفية تعامل الحكومات المتعاقبة في دولة الكويت مع تلك القضية ؟ وهو موضوع الفصل التالي .
_________________________________________ (1) د. محمد رشيد الفيل : 'الإسكان الحكومي في دولة الكويت – دراسة تحليلية للنواحي الاجتماعية والجغرافية' مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت 1998، ص:237 . (2) عبدالرؤوف عبدالعزيز الجرداوي : 'الإسكان في الكويت' كاظمة للنشر والتوزيع ، الكويت ، 1978 ، ص:32 . (3) أنشئت الهيئة العامة للإسكان في العام 1974 ، وتسلمت المؤسسة العامة للرعاية السكنية مهامها في العام 1993 (أنظر تطوير الرعاية السكنية بالكويت في الفصل الثاني من هذه الدراسة) . (4) المصدر : 'دور المؤسسة العامة للرعاية السكنية في تطبيق السياسة الإسكانية بدولة الكويت' ،تقرير للمؤسسة في نوفمبر 2008 (غير منشور) . (5) د. محمد رشيد الفيل ، المرجع السابق ، ص : 352 .